مقطع لا يتجاوز ثوانٍ على شاشة هاتف نجح في جعل واقعة حدثت قبل أكثر من ألف وثلاثمئة عام تبقى حاضرة في صورة شهيد اليوم.

من هنا بدأت حكاية "بوصلةُ العاشقين".

يهدف هذا المشروع إلى استكشاف العلاقة بين تأثير السرد القصصي الكربلائي والسرديات المعاصرة للمقاومة الإسلامية في لبنان.

مع خلفية السرد عبر المنبر التقليدي والخطاب الديني، يبحث المشروع في الإعلام الحديث، وبشكل خاص محتوى منصة إنستاغرام.

بشكل مباشر أو غير مباشر حضور كربلاء في خلفية المشهد أثناء متابعة المحتوى المرتبط بالمقاومة الإسلامية في لبنان؛ من خلال صورة الإمام الحسين عليه السلام أو أبي الفضل العباس عليه السلام، وأحيانًا أخرى من خلال كلمات ومواقف ومعانٍ: التضحية، الصبر، الثبات، الفداء.

وفي قصص الشهداء وعائلاتهم، يعود هذا الحضور بطريقة أكثر إنسانية. "اللهم تقبّل منا هذا القربان"، "ما رأيت إلا جميلًا"، عبارات تُهتف على ألسن أمهات الشهداء اليوم وتتكرر في سياقات جديدة مأخوذة من السيدة زينب عليها السلام حينما فقدت أخاها وكل من حولها، كما تحضر كلمات الإمام الحسين: "هيهات منا الذلة" في الخطاب المعاصر.

لا يعني ذلك أن كربلاء والحاضر قصّة واحدة حرفيًا، بل إن السؤال الذي يفرض نفسه هنا هو: كيف أصبحت واقعة كربلاء مرجعًا سرديًا يلجأ إليه الناس لفهم أحداث جديدة والتعبير عنها؟

في كربلاء، تحضر شخصياتٌ لم تبقَ حبيسة التاريخ. الشخصيات التي صنعت مجد كربلاء مثل الإمام الحسين، والعباس، وعلي الأكبر، والقاسم بن الحسن، والسيدة زينب عليهم السلام، تحوّلت عبر الذاكرة الدينية والاجتماعية إلى نماذج وقدوة تُستعاد معانيها في أزمنة مختلفة. صورة الشاب الفدائي، والأخ المضحي، والأم الصابرة، والقائد الذي يرفض الذلّ والخضوع؛ كلها صور تعود بأشكال جديدة في القصص التي تُروى اليوم.

ومن هنا تبدو العلاقة بين الماضي والحاضر أبعد من مجرد تشابه في الكلمات. إنها علاقة تقوم على الذاكرة: كيف يتذكر مجتمعٌ حدثًا؟ وكيف ينقل معانيه من جيل إلى جيل؟ وكيف يمكن لحادثة تاريخية أن تصبح جزءًا من اللغة التي نستخدمها لفهم أحداث جديدة والتعبير عنها؟

كل ما لدينا هو من عاشوراء"، قالها الإمام الخميني قدس سره. كل ما نُقل سابقًا من خلال المجالس والمنابر، أصبح اليوم يصل إلينا عبر شاشة صغيرة نحملها معنا أينما كنّا.

نحن نعيش في عالم اعتقدنا يومًا أنه "افتراضي"، لكنه بات جزءًا حقيقيًا من حياتنا وذاكرتنا، وحتى من الطريقة التي نفهم بها الأحداث. وبالنسبة إلى الأجيال الجديدة، لم تعد القصة تصل فقط من المنبر؛ قد تصل عبر رييل Reel، أو صورة، أو تسجيل صوتي، أو كاروسيل Carousel، أو جملة قصيرة على إنستغرام Instagram وهنا يدخل الإعلام إلى الحكاية.

إنستاغرام ليس مجرد مكان تُنشر فيه الصور. الطريقة التي يتم بها اختيار حبكة الكلمات، والصورة، ونوع الموسيقى، وأسلوب المونتاج، وترتيب المشاهد وتشكيل الإطار، وحتى اللحظة التي يبدأ فيها الفيديو "hook"؛ كلها تشارك في بناء معنى القصة. وقد يكون الحدث نفسه واحدًا، لكن طريقة روايته قادرة على أن تجعل المتلقي يراه بطريقة مختلفة.

ومع هذا التطور كله، بقي شيء قديم جدًا يقدر على جذب الإنسان: القصة.

الإنسان، قبل الهاتف وقبل الشاشة وقبل كل أدوات الإعلام الحديثة، كان يصغي إلى القصص. تبقى الشخصيات عالقة في ذهن وقلب المرء أكثر مما يتذكر الأرقام، ويتعلق بالمواقف أكثر مما يتعلق بالسرد التاريخي المجرّد. مع أدوات الإعلام الرقمي الحديثة، ظهرت أمامنا أشكال جديدة من السرد: قصة شهيد في دقيقة، ذاكرة أم في تسجيل صوتي، حدث تاريخي داخل تصميم بصري، أو معنى عاشورائي يُعاد تقديمه إلى جيل لم يعش شيئًا من تلك الأحداث.

لكن ماذا يحدث للرسالة عندما تنتقل من المنبر إلى الشاشة؟ وهل يحافظ السرد بالإعلام الرقمي على المعنى نفسه، أم يعيد بناءه وتشكيله؟

ينتقل مشروع "بوصلة العاشقين" بين التاريخ والإعلام الحديث والمجتمع، ترافقه أصوات دينية وإعلامية وإنسانية، في تجربة لفهم كيف تستمر كربلاء في الذاكرة، وكيف تُروى اليوم، ولماذا لا تزال قصتها تجد طريقها إلى أحداث وأشخاص ينتمون إلى زمن مختلف تمامًا. 

  ← اكتشف الحكاية