الحكاية

بدأت رواية ما جرى في كربلاء منذ زمن قريب من الواقعة نفسها، مع ما نُقل عن دور السيدة زينب والإمام زين العابدين عليهما السلام في نقل ما حدث بعد المعركة. ومنذ ذلك الحين، لم تبقَ كربلاء حدثًا يُستعاد بوصفه مجموعة من الوقائع فحسب، بل أصبحت حكاية تُروى وتُعاد روايتها عبر أجيال متعاقبة.

في مقابلة مع أحد خطباء المنبر الحسيني المشهورين في لبنان، فضيلة الشيخ علي سليم، تحدّث عن الدور الذي أدّته المجالس والرواية والشعر في إبقاء قصة كربلاء حاضرة عبر الزمن. فكان هناك القاص في عهد الأئمة الذي يروي الحادثة، إضافةً إلى الشاعر الذي يلقي أشعاره على الناس. ومن الأمثلة التي أشار إليها الشيخ علي سليم تجربة الشاعر دعبل الخزاعي وقصيدته المعروفة التي مطلعها: «أفاطم لو خلت الحسين مجدّلًا...».

هكذا، لم تعتمد استمرارية رواية كربلاء على أهمية الحدث التاريخية وحدها، بل أيضًا على فعل متكرر من التذكّر وإعادة السرد. عامًا بعد عام، وفي مناسبات دينية واجتماعية مختلفة، عادت القصة إلى الحضور من جديد.

لكن ما انتقل عبر كل هذا الزمن لم يكن تسلسل الأحداث فقط. مع الرواية انتقلت أسماء وشخصيات ومواقف وعبارات، وأصبحت بعض الوجوه مرتبطة في الذاكرة بمعانٍ تتجاوز لحظتها التاريخية.

من بين هذه الشخصيات، بقي حضور السيدة زينب عليها السلام مرتبطًا في الذاكرة بمشهد الفقد وباللغة التي واجهت بها ما جرى. لذلك، حين تتكرر اليوم عبارات مستمدة من روايتها في سياقات مرتبطة بأمهات الشهداء، لا يكون الاستدعاء مجرد تشابه في الكلمات؛ فالعبارة تحمل معها ذاكرة أقدم، ومعها صورة وموقف ومعنى سبق أن تعرّف إليهما المتلقي من خلال المجالس والرواية الدينية.

وهنا لا يصبح الحاضر نسخة عن كربلاء، ولا تتحول الشخصيات المعاصرة إلى امتداد حرفي لشخصياتها. ما يحدث هو أن الذاكرة تضع أمام الناس نموذجًا لغويًا ورمزيًا يمكن العودة إليه عند محاولة التعبير عن تجربة جديدة.

يقول الشيخ علي سليم: «هذه الروح الحسينية المستمدة من كربلاء ليست فقط على مستوى المجاهدين، بل أيضًا أمتنا صارت شعبًا حسينيًا ومجتمعًا حسينيًا مقاومًا. فعندما نرى أهالي الشهداء بهذه المعنويات المرتفعة، ومع صمود إعجازي رغم كل الخسارات والتضحيات... فنحن حقًا نرى نهضة الإمام الحسين عليه السلام وأهدافه حاضرة في وجداننا».

لكن بقاء هذه الرموز حيّة لم يكن منفصلًا عن الوسيلة التي حملتها. فقبل أن تدخل هذه المعاني إلى الشاشة، كان المنبر والمجلس من أهم المساحات التي أعادت روايتها، واختارت من أين تبدأ الحكاية، وأي مشهد يُبرز، وأي شخصية تبقى في الذاكرة. 

تروي الإعلامية والراوية أروى الجمّال قصة الشهيد عباس وهبي، الذي كانت مهمته في وادي السلوقي خلال حرب ال 66 يومًا أن يوصل المياه إلى أهل الطيبة.

«خلال الطريق يؤذّن الأذان، وكان نفس أذان الإمام الحسين عليه السلام عندما يقولون له: من الممكن أن تستشهد، يرد: علامَ أقاتل؟ أقاتل لأجل الصلاة».

كذلك قال الأخ عباس إنه يريد الصلاة. قال له المسؤول: لا تستطيع، لأننا سوف نستشهد ويجب علينا إيصال المياه مثل أبا الفضل العباس عليه السلام».

  «انغمرت دموع عباس حينها، لأنه معتاد أن يصلي في أول لحظة ارتفاع صوت المتصل من الأرض إلى السماء: الله أكبر، أن أقف للصلاة... لا تقل للصلاة لدي عمل، بل قل للعمل لدي صلاة. كان عباس هكذا»

«أجابه الأخ أن تكليفنا هكذا. بعد قليل بستشهد عباس ورفيقه. يقول الأخ: انقطع يمين عباس كأبو الفضل ساقي العطاشى. وضعته في كيس مخصص للأجساد، ثم قبّلته على جبينه واستأذنت منه».   

«أقسم بالله، عدتُ بعد شهر وعشرين يومًا بعد انتهاء الحرب. فتحنا الكيس المخصص للشهيد، ووجهه بقي نورا كما هو».

«من خلال خبرتي أرى أن الوجه بقي لأنه بكى من أجل الصلاة. هؤلاء شهدائنا، هؤلاء  نماذج كربلاء». 

هل كان التشابه بين كربلاء و قصة عباس نفسها، أم أن إطار الرواية هو الذي اختار هذه التفاصيل وربطتها بذاكرة كربلاء؟

«هؤلاء شهدائنا، هؤلاء نماذج كربلاء»

  ← إلى الشاشة