"اللهم تقبل منا هذا القربان"
كيف يتغير اقتباس ما بمجرد فصله عن سياقه الأصلي وإدراجه في قصة جديدة؟ في حالة هذه العبارة التي ارتبطت في أذهان الناس بشخصية السيدة زينب (عليها السلام) فإن النقل يتجاوز مجرد استخدام الكلمات لأن كل عبارة ليس لها معنى فقط، ولكن لها خلفية كاملة. ولذلك فإن العبارة التي لها تجربة سابقة مرتبطة بها، فإن المستقبل لن يدرك العبارة فقط، بل المعلومات كلها المرتبطة بها من الموقف، الصورة والمعنى.
في عالم اليوم استخدام عبارات مثل "ما رأيت إلاّ جميلا" يخلق السياق الأوسع للحاضر. لو سمع المرء العبارة في قصة لأم شهيد قد يتذكر على الفور كل معرفته عن الصبر والفقد والمثابرة في كربلاء.
هنا نصل لفكرة الاستدعاء ليس فقط العبارة، ولكن التجربة التي كانت تحملها لسنوات تنتقل معاً. ولكن هذا لا يعني أن القصة الجديدة تصبح مثل قصة كربلاء بل على العكس فالسارد يستخدم اللغة والرموز التي يعرفها لوصف تجربة جديدة.
لا يجب أن يمر الاستدعاء من خلال العبارات فهي يمكن أن تعبر عن نفسها في صور أو مشاهد أو أسماء شخصيات أو حتى في طريقة ترتيب القصة. باستخدام مزيج من صورة شهيد مع عبارة عاشوراء أو المشهد المرتبط بكربلاء يقدم مبدع المحتوى ويجعل القصة تجسد الماضي بطريقة تواكب مع الحاضر والمستقبل.
وبهذه الطريقة نعود لمفهوم الإطار الذي ذكرته عبد الساتر لأن اختيار هذه العبارة بالذات ووضعها بجانب هذه الصورة أو الموسيقى أو المشهد ليس شيئاً منفصلاً عن القصة، بل جزء لا يتجزأ منها.
تقول الإعلامية فاطمة السيد أثناء المقابلة: "من 2020 لـ2026 صار في تحوّل أكتر، وصار أكتر مهيمن على هيك منصات مقاطع منسميها Shorts أو Reels. العالم ما عاد بدها تسمع خطابات طويلة، حتى لو كانت الرسائل منها مباشرة، وأكتر الناس بتكفّي تحضر الفيديو ل 30 ثانية، وإذا كان المحتوى جدًا جذاب العالم بتكفّي أكتر. يا الناس ما عاد عندها نَفَس، أو يمكن هي المنصة صارت تستخدم هيدي الطريقة
لحتى مش كل المحتوى يوصل".
ليس فقط تغير طريقة تقديم المحتوى ولكن أيضاً من يقوم بتقديمه فبظهور "الريلز" Reels لم يعد مقتصراً فقط على المنبر أو شخصية دينية معروفة بل أصبح له مكان في عالم صانعي المحتوى كوسيلة يمكن من خلالها إيصال الرسالة بلغة تتناسب مع المنصة.
كما أضافت فاطمة "وكمان صرنا عم نشوف شخصيات عم تطلع، تحديدًا بالإنستاغرام، ما كنا نشوفها قبل الـ2020 وتصير مؤثرين، تحديدًا بالعالم العربي. فحتى الخطاب العاشورائي عندما يقدّمه مؤثرون عم يوصل بطريقة أسهل وأسرع وجذابة أكتر. وكمان هون بترجع لمهارات كل صانع محتوى، يعني الموضوع صار إلو علاقة بالمهارات أكتر ما إلو علاقة بالمضمون".
نظراً للإمكانيات الهائلة للوصول إلى الناس فأن الإيجاز يمثل جانباً آخر من عملية سرد القصص فعندما يكون لدى مؤلف قصة طويلة يريد سردها ولكن لديه فقط ثلاثين ثانية أو دقيقة من الوقت فإنه مجبر على اختيار بعض أجزاء من القصة وتجاهل الباقي بالإضافة إلى السؤال حول كيفية تجميع المعلومات فهناك سؤال آخر وهو بالضبط ما الذي يجب تجاهله؟
تأثير مثير للإهتمام للإيجاز في المنشورات هو أن المشاهدين الذين يرونها يصبحون على علم بقصة لن يسمعوها أبداً بدونه، ولكن يمكن أن يكشف فقط عن حلقة واحدة من القصة بأكملها أو فقط سمة واحدة من سمات الشخصية.
تؤدي مسألة السياق دوراً في هذا الموقف فصورة قوية قد تجذب اهتمام المشاهد وموسيقى جيدة تجعله يتفاعل مع المحتوى وجملة ممتازة تترك أثراً في ذاكرته، ولكن في بعض الحالات قد يكون من الضروري العودة إلى قصة أكثر تفصيلاً أو إلى منصة وخطاب لفهمها بشكل كامل. يبدو أن هذه الفكرة هي التي عبر عنها الشيخ عباس كوراني عندما قارن منشورات وسائل التواصل الاجتماعي بالشطائر، فمنشور على شكل مقطع يكشف عن بعض التفاصيل أو يعطي فكرة عامة ويجعل المشاهد يغوص فيه ولكن الحاجة إلى المحتوى المفصل لا تزال قائمة.
وبالتالي فأن الإيجاز ليس جيداً أو سيئاً فحسب بل هو مجرد مكون آخر من مكونات عملية سرد القصص فكلما قام صانع المحتوى بإعداد المحتوى لمقاطع الفيديو الخاصة به فإنه يتجاهل بعض المعلومات التي تؤثر بدورها على الصورة التي تبقى في ذاكرة المشاهد.
"فيلم وثائقي "بوصلة العاشقين
نهاية القصة تعيدنا إلى اللقطة القصيرة التي تبدأ منها القصة، لقطة لا تستغرق سوى ثواني معدودة على شاشة الهاتف المحمول ولكنها تحمل خلفها سنوات من السرد والذكريات والخطب والصور والصوت. وعندما يصادف متفرج اليوم صورة لشهداء مع عبارات عاشوراء أو قصة عن كربلاء لاينظر إليها فقط بل يأتي بكل ما تعلمه وسمعه من قبل من خلال القصص والسياقات والرموز.وبهذه الطريقة يمكننا أن نفهم أن تطور كربلاء إلى وسائل الإعلام الحديثة لم يبدأ من انستغرام بل على العكس من ذلك أصبح انستغرام وسيلة أخرى تحمل الذاكرة التي وجدت قبل إنشائه. فمن خلال كل التغيير الذي مرت به رواية القصص من مجلس إلى ريل ومن خطاب طويل إلى لقطة قصيرة لا تستغرق سوى ثواني معدودة وجدت القصة قناة جديدة للتعبير. ولهذا السبب كان عنوان المعرض "بوصلةُ العاشقين" فالبوصلة ليست الرمز الذي يشير إلى أن الماضي والحاضر يشكلان نفس القصة أو أن كل فرد في زمننا الحاضر متطابق مع شخصية من كربلاء. فبالنسبة للكثيرين من الأفراد مازالت كربلاء نقطة إشارة يمكنهم من خلالها فهم وضعهم وتضحياتهم بل وحتى اختيار كلماتهم.