عندما اكتسبت القصة بسردها وسيطًا جديدًا، ألا وهو إنستاغرام، فإنها دخلت إلى عالم مليء بقيود على المحتوى، إضافة إلى الخوارزميات التي تتحكم بطريقة وصول المنشور وانتشاره. فهناك فرق بين الاثنين؛ قيود المحتوى قد تحدّ أحيانًا من حرية المستخدم في استعمال بعض المصطلحات أو نشر بعض المواد بشكل مباشر، أما الخوارزمية فهي التي تؤثر على نسبة انتشار المحتوى ووصوله إلى شريحة أوسع من المتلقين.
تقول الإعلامية بتول عبد الساتر في مقابلة معها: «أحس أن كل القيود التي تفرض علينا من خوارزميات باب للإبداع والتفكير خارج الصندوق، يعني لما صير ملزمة بوقت معين فيني شوفها بطريقة إيجابية، إنو أنا بدل ما فكر بمحتوى بدو ٥ دقايق، بفكر بمحتوى بدقيقة. أصعب، لأن أنا بدي لاقي المحتوى يلي بيوصل بدقيقة، بس أجمل لأن بصير في قدامي تحدي جديد، وبصير قادرة كثّف الرسالة، وأساسًا هيدا مطلوب».
وتشير عبد الساتر إلى أن الأجيال اليوم تميل أكثر إلى السرعة في تلقّي المحتوى، وهنا يصبح على صانع المحتوى أن يوصل فكرته خلال وقت أقصر من دون أن يخسر أساس الرسالة.
ويؤكد الشيخ عباس كوراني على ذلك في مقابلة معه: «إن المحتوى على السوشيال ميديا مثل الساندويشات، يأخذ المتلقي تفصيلا صغيرا، لكن يمكننا تكثيف المحتوى فيشكّل عند المتلقي فكرة عامة ويأتي إلينا، فلا غنى طبعًا عن الخطاب الديني الدسم التفصيلي المشبع، ولكن الجميل بهذا التطور أنه يصل إلى أكبر شريحة ممكنة، سهل التواصل به».
إضافة إلى ذلك، تلعب الموسيقى دورًا كبيرًا في عاطفة المتلقي؛ فمن الممكن أن تجعل الموسيقى الإنسان يبكي، ومن الممكن ألّا يتأثر، بحسب نوع الموسيقى وطريقة استخدامها داخل المحتوى. أيضًا، الـcaption مهم جدًا، فهو يعطي هوية للمنشور، وأحيانًا يختصر أكثر فأكثر الفكرة أو الرسالة التي يريد صانع المحتوى إيصالها إلى المتلقي.
أما التأطير framing، فهو من أكثر النقاط حساسية وأهمية في صناعة المحتوى. تقول عبد الساتر في تعريفها للتأطير: «لما نحكي نحنا عن التأطير الإعلامي، عم نحكي عن عدسة عم لبّسها أنا للمشاهد، يعني أنا عم بختصر عليه بالمشهد يلي أنا بدي ياه يشوفه».
أساسًا، صانع الرسالة يوجّه المشاهد إلى زاوية معينة من الحدث. وتقول عبد الساتر: «لما نحكي سوشل ميديا وكربلاء، لما نحنا نروي سرد تاريخي مجرد بتفتحي مجال للمتلقي انو يسقط الزاوية يلي بدو ياها على هيدا الحدث، يعني نفس الأحداث لبتكون إلهية بمحل بتصير شيطانية بمحل تاني لما نسقطها غلط».
وعلى سبيل المثال، قصة الإمام زين العابدين عليه السلام: لماذا لم يخرج للقتال مع أبيه الإمام الحسين عليه السلام؟ إذا قُدّمت للمشاهد فقط معلومة أنه لم يخرج إلى القتال من دون باقي سياق القصة، فمن الممكن أن يفهمها من زاوية مختلفة تمامًا. أما عندما يُروى السبب، مثلما قال الشيخ عباس كوراني بأنه كان عليلًا، وأن حكمة الله عز وجل تدخلت للمحافظة على نسل آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم، إلى جانب السياق الذي كان يحيط به، تتغيّر طريقة فهم الموقف. وهنا تظهر أهمية التأطير: المعلومة نفسها قد تكون صحيحة، لكن اختيار أي جزء منها نعرضه وأي جزء نتركه هو الذي قد يغيّر الصورة التي تصل إلى المتلقي.
ولكن الإطار لا يضمن أن كل شخص سوف يفهم الرسالة نفسها من المحتوى. من يقوم بإنشاء المحتوى يمكنه إطاره بطريقة معينة، ولكنه لا يستطيع التحكم في فهم الناس له. ففي هذه النقطة تلعب ذاكرة الشخص نفسه دورها في فك شفرة المحتوى. على سبيل المثال إذا سمع شخص ما الجملة "ما رأيت إلا جميلا" مرات عدة وربطها بالسيدة زينب (عليها السلام) وكربلاء فسوف تذكره هذه الجملة بكل هذه الأشياء في الوقت نفسه. بينما شخص لم يتعرض لهذا السياق من قبل سوف يفهم هذه الجملة ببساطة على أنها عبارة تعبر عن صبر الشخص.
وهذا يعني أن الرمزية لا تعمل بمفردها فقط ولكنها أيضاً تعتمد على ذاكرة المشاهد الذي يساعده في فك رموز الرموز بالطريقة الصحيحة. ففي هذه الحالة يظهر أهمية التراث الذي يمر من جيل إلى جيل من خلال التجمعات والخطابات والروايات الدينية حيث يأتي المشاهد وهو يحمل معه الصور والكلمات والمعاني التي يعرفها بالفعل .
ويوفر الإطار للمشاهد زاوية ولكن تفسيره يعتمد أيضاً على خلفيته .
1
2
الإعلامية فاطمة السيد
الإعلامية فاطمة السيد
3
الشيخ عباس كوراني
شاهد المقطع قبل قراءة تحليله
الاسم: السعيد الحاج حسن أسعد حمّود
(شمران)
مكان وتاريخ الاستشهاد: السلطانية - ١٤-٤-٢٠٢٦
مكان الدّفن: روضة الشهداء تبنين
"عدسة عم لبّسها أنا للمشاهد"
ويمكن أن نرى ذلك في أحد الريلز Reels ضمن مشروع "بوصلة العاشقين"، الذي يروي قصة الشهيد الحاج حسن أسعد حمّود "شمران". يبدأ المقطع بصورة الشهيد أمام البوصلة، لكنه لا يدخل مباشرة في معلومات عن اسمه أو مكان وتاريخ استشهاده، بل ينتقل إلى سرد القصة من خلال الراوية أمام الكاميرا. وفي خلفية المشهد تظهر أجواء دينية وعبارات مرتبطة بالزيارة، قبل أن تنتقل الخلفية إلى صورة البوصلة التي ترافق باقي الرواية.
وهنا نلاحظ أن اختيار أول مشهد لم يكن تفصيلًا فقط، فهو يضع المتلقي منذ البداية في جو معيّن قبل أن يسمع باقي القصة. كذلك، الكلام المكتوب على الشاشة يساعد المشاهد على متابعة الرواية بسرعة، بينما طريقة حديث الراوية وحركاتها تجعل القصة أقرب إلى الحكاية التي تُروى لشخص أمامنا، لا إلى خبر يُقرأ. كما أن الموسيقى العاشورائية تعزّز الإطار الديني والعاطفي للمشهد، فتشارك في توجيه المتلقي إلى طريقة معيّنة في فهم القصة.
ومع تقدم الفيديو، لا تُعرض كل تفاصيل حياة الشهيد، بل يتم اختيار موقف محدد وروايته خلال ما يقارب الدقيقة، مع إدخال بعض المشاهد داخل الصورة لتقريب ما يحدث في القصة. وهنا يظهر ما تحدثت عنه عبد الساتر عن التأطير؛ فالمحتوى لا يغيّر القصة نفسها، لكنه يختار من أين يدخل إليها المشاهد، وأي تفاصيل يراها، وبأي ترتيب.
لو بدأ الفيديو مثلًا باسم الشهيد وتاريخ ومكان استشهاده، لكانت نقطة دخول المتلقي مختلفة، لكن اختيار موقف وقصة في البداية جعل الإنسان والتفصيل في مقدمة الرواية، بينما بقيت المعلومات الأخرى خارج هذا الإطار أو في الcaption المرافق للمنشور.
← وراء الصورة، إنسان